عثمان بن جني ( ابن جني )
459
الخصائص
باب في تجاذب المعاني والإعراب هذا موضع كان أبو علىّ - رحمه اللّه - يعتاده ، ويلمّ كثيرا به ، ويبعث على المراجعة له ، وإلطاف النظر فيه . وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين : هذا يدعوك إلى أمر ، وهذا يمنعك منه . فمتى اعتورا كلاما ما أمسكت بعروة المعنى ، وارتحت لتصحيح الإعراب . فمن ذلك قول اللّه تعالى : إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ الطارق : 8 ، 9 ] ، فمعنى هذا : إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر ، فإن حملته في الإعراب على هذا كان خطأ ؛ لفصلك بين الظرف الذي هو ( يوم تبلى ) ، وبين ما هو معلّق به من المصدر الذي هو الرجع ، والظرف من صلته ، والفصل بين الصلة والموصول الأجنبىّ أمر لا يجوز . فإذا كان المعنى مقتضيا له والإعراب مانعا منه ، احتلت له ، بأن تضمر ناصبا يتناول الظرف ، ويكون المصدر الملفوظ به دالا على ذلك الفعل ، حتى كأنه قال فيما بعد : يرجعه يوم تبلى السرائر . ودلّ ( رجعه ) على ( يرجعه ) دلالة المصدر على فعله . ونحوه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ [ غافر : 10 ] ف ( إذ ) هذه في المعنى متعلّقة بنفس قوله : لمقت اللّه ، أي يقال لهم : لمقت اللّه إياكم وقت دعائكم إلى الإيمان فكفركم ، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن ؛ إلا أنك إن حملت الأمر على هذا كان فيه الفصل بين الصلة التي إذ ، وبين الموصول الذي هو لمقت اللّه فإذا كان المعنى عليه ومنع جانب الإعراب منه أضمرت ناصبا يتناول الظرف ويدلّ المصدر عليه ، حتى كأنه قال بأخرة : مقتكم إذ تدعون . وإذا كان هذا ونحوه قد جاء في القرآن فما أكثره وأوسعه في الشعر ! فمن ذلك ما أنشده أبو الحسن من قوله :